21
بيروت، 10 أكتوبر 2015
فيما داريت نصف وجهي خلف باب مكتبه، مُخفية معه نصف ابتسامة ملأت وجهي، حتى دعاني ضاحكًا للدخول واصفًا طرقي للباب بأنه خمش أظافر القطط، وبادرني قائلاً،
- لسالك تقولي (ناوناو) وتبقي قطة!
ضحكت وسألته
- وحدك!؟
- عمري !!
- يا الله!!
- جوايا زحام ما بيفضى !
نظرت نحوه بطرف عيني وسألته متوجسة،
- ويا ترى أنا فيهم ؟!
- انتِ كلهم .. انتِ الزحام
- ...
توقفت عن الضحك للحظة، وتأملت وجهه وهو يقولها بذلك الهدوء الذي لا يشبه هزار الكلام. "الزحام" الذي وصفني به لم يكن مجاملة عابرة، كانت اعترافاً مموّهاً بلغة لا يجرؤ على البوح بها صراحة. ابتسمت في سرّي، وقلت لنفسي: "آه لو تعرف يا هاشم كم أنا بارعة في فك شفرات صمتك!".
يكبر حبنا ولا يزال هاشم على صمته مكتفيًا بتلك اللغة الخفية للعيون والمشاعر، أسأل نفسي، متى ينطق "أحبك" ويعلنها صريحة من دون مواربة، تعبت من التلميحات والإشارات. هناك أمور جميلة في حياتنا تُحيلها لغة المرادفات إلى مصدر للعذاب والسهد. عندما ترتبط وجدانيًا بشخص، ترى فيه العالم، شمسه وقمره، رياحه ونسماته، برده وصهده، تولد في داخلك إرادة ورغبة أن تتحمل الكثير من أجله، ومن أجل أن تدوم تلك العلاقة التي يمكن أن تختزل حياتك، كل هذا وأكثر مقابل أن تطمئن إلى أنه يبادلك – على الأقل - نفس المشاعر والأحاسيس. يفتقدك حين تغيب. يبحث عنك عندما وحيدًا كان، أو وسط الزحام.
كم تمنيت لو فاجأني هاشم بكلمة "أحبك"، بمناسبة أو من دون مناسبة، على الهاتف أو وجهًا لوجه، صباحًا أو مساءً.. لا يهم. أحيانًا يرن هاتفي فابتسم وأنا أقرأ اسمه بعرض شاشة التليفون مصحوبًا بنغمات موسيقى الأخوين رحباني "في قهوة عالمفرق"، وتحديدًا المقطع المصاحب لصوت فيروز وهي تشدو "في قهوِة عَ المفرق/ في موقدِة وفي نار/ نبقى أنا وحبيبي نفرشها بالأسرار/ جيت لقيت فيها عشّاق تنين زغار/ قَعَّدوا على مقاعدنا سَرَقوا منّا المشوار"، تبتسم كل خلايا وجهي لما بعد انتهاء المكالمة، وعندما أتذكر أنه لم يقل لي "أحبك"، أدندن بصوت هامس "كِبِرْ البحر بحبك".
صارت هذه الجملة سرّي الخاص، ألوذ بها كلما ضاق صدري بانتظار كلمة لم يقلها بعد، أهمس بها لنفسي في المصعد، في الطريق، وأنا أُمشّط شعري أمام المرآة، وكأنني أُقنع قلبي بأن البحر - مهما اتسع - لن يتسع لكل هذا الحب المكتوم.
..............................................................
كنا نتحلق ذات يوم مع زملاء العمل حول طاولة الغداء وقت الاستراحة في المطعم الكائن بالدورالأرضي لمبنى الإسكوا، وسط صخب الحضور الكثيف، كانت أحاديثنا تتشابك ويختلط بعضها ببعض على غير هدى، بعضها عن سير العمل، وبعضها في السياسة، إلى جانب موضوعات شتى، إلى أن قال أحدهم بصوت مرتفع محاولاً تجاوز ما حولنا من ضوضاء؛ أن الدكتور جون ستيوارت – خبير التنمية البشرية - سوف يُلقي محاضرةعن "قوة التغيير"، بالجامعة الأمريكية، فتوالت كلمات الاستحسان والتعقيبات الإيجابية على الرجل وسيرته العلمية والعملية، واستفسر الكثيرون عن كيفية التسجيل وأبدى معظمهم رغبتهم في الحضور.
ملتُ على هاشم قليلاً وسألته، إيه رأيك؟ تحضر؟، فنظر في عينيي وأجاب بهدوء وتصميم، إذا بتحضري؟
على كثرة خروجنا معًا ولقاءاتنا في كثير من مطاعم ومقاهي بيروت، إلا أنني أحسست أن لهذا الحدث خصوصية أكبر. خصوصية تفوق ما سبقه من لقاءات. أستطيع أن أقول أنه يأتي وقد صارت علاقتنا أكثر وضوحًا، وقربت المسافات بيننا، أو قل أنها تلاشت، على الأقل من ناحيتي، فضلاً عن ذلك كان ثمة شعور يخالجني أنني مقبلة على حدث كبير يفصل بين ما سبق من علاقتنا، بما هو آت.
ربما هي غريزة المرأة التي تدلها على أن ثمة حدث كبير يوشك على الانفجار، تلك الغريزة التي تخبرها بمن يهتم بها ومن لا يهتم، ومستوى الاهتمام، وهل تلك النظرات عفوية أم أنها تحمل معاني أخرى. إنها الغريزة التي تولد بها المرأة وتقويها يومًا بعد يوم بالمعايشة والممارسة.
هذه الغريزة هي التي جعلتني منذ أجابني في المطعم باستعداده للحضور إذا أنا حضرت، هي التي أشعلت في صدري خزان بارود ترقب موعد المحاضرة، وصارت كل ساعة تمر كفيلة بارتفاع لهب الانتظار مترًا إضافيًا نحو عنان السماء. أمضيت قرابة الأسبوعين وأنا أعيش على خلفية هذا اللقاء المنتظر.
صدقني دفتري العزيز، إن أخبرتك أنني عشت المستقبل قبل حدوثه، كنت أسرح لساعات طوال أتخيل فيها تفاصيل اليوم المرتقب، تفاصيل التفاصيل دون ملل، لدرجة أنها طابقت المستقبل حين صار حاضرًا، لدرجة أنني تصورت أن أي شخص يستطيع التركيز في تفاصيل المستقبل، سوف يمكنه أن يصنعه ذلك المستقبل.
تخيلت عناقه فعانقته، تخيلت تقبيله، وقبلته، تخيلت أن يتماس جسدانا، وتماسا حتى كادا أن يذوبا...
هل سبق لك دفتري العزيز أن مررت بأوقات شعرت فيها بسعادة غامضة؟ أظنك ستجيبني: "مؤكد"، مع أن ما حولك لا يوحي بأن هناك ثمة سبب معروف، في أغلب الظن يرجع سبب تلك السعادة الغامضة إلى حدث سيقع في المستقبل، أدركته الغريزة، وغاب عن العقل.
الغريزة تتعامل مع المشاعر والأحاسيس، مع الغامض قبل الظاهر، لذا يكون من السهل عليها أن تستشعر المستقبل وهو يتشكل جنينًا في رحم الزمن، أما العقل فهو عادة ما يبحث عن المحسوس، عن المادة، وإن تجاسر وتجاوزها إلى الغيب، فإن مدى نظره يقصر عن إدراك ما تدركه الغريزة.
ولكن من قال إن لقائي بهاشم لن يكون مصدر سعادة لي، وكل سوابقي معه تؤكد ذلك، ما من مرة التقينا فيها إلا وشملتني وغمرت قلبي سعادة وبهجة.
من هنا، صرت أتحين الفرص للبقاء معه أطول فترة ممكنة، أخترع الحكايات والموضوعات، أحكي وأحكي لا لشيء إلا ليطول لقائنا، ويمتد حديثنا، وتمتد معهما السعادة والهناءة.
أيضًا كان هناك سبب إضافي لسعادتي هذه المرة مردُهُ اختلاف طبيعة لقائنا عن مناخات لقاءاتنا في المكاتب والحديث حول طاولات القهوة عن موضوعات شتى.
لكن هذا لا يُخفي أن ثمة شعور بالتوتر كان يصاحب سعادتي تلك، حاولت تجاهله قدر الإمكان، وأيقنت أن سيطرته على رأسي سوف يفسد كل ما أنا فيه من سعادة، فأمعنت في تجاهله، وصار كلما زارني أستهزئ به وأهون من أمره، وأقفز بخفة وسرعة إلى ضفة التفاؤل وأعدد ما يدعوني إليها من أسباب، حتى أنني صرت أعدها على أصابع يدي بنفس الترتيب، كان صراعًا أشبه بصراع إرادة، أن أكون أو لا أكون.
.................................................................
تخيرت فستانًا أرجوانيًا قصيرًا محبوكًا على جسمي، فلم يُقصر في إظهار مكامن فتنتي بكل أمانة وصدق، ومع مسحة خفيفة من مساحيق التجميل بدا وجهي رائقًا، ونثرت عدة دفقات من رذاذ عطرCoco Mademoiselle Intense المناسب للمساء بإثارته وغموضه.
في الموعد، وقف هاشم بسيارته على ناصية الشارع، فتحت الباب وجلست إلى جواره، فحانت منه التفاته مع وجه بشوش مبتسم، وإن شعرت أنه أُخذ وشرد بعيدًا، وكأن فكرة ما استقرت للتو في رأسه ولم يحسم بعد قراره بشأنها، لاحظت أصابعه تطرق على عجلة القيادة بإيقاع متقطع غير معتاد منه، هو الذي عرفته دائماً هادئ اليدين ثابت الحركة، طال سكوننا حتى ظننت أننا لن نتحرك، فسألته مستفهمة مستنكرة (شو بدك؟!، تفتكر ما فينا نِفل؟)، فأجاب ساخرًا ومتلعثمًا بعض الشيء
- لا أبدًا.. بدنا نفلو نفل من هاي الدني لو بنقدر!
- (ومن وسط ضحكنا معًا سألته)؛ لوين؟
- اقترحي؟
- ورا الشمس!..
قلتها بعفوية لا أدري أسبابها، ربما كانت هذه هي المرة الأولى التي أذكر فيها هذا المكان، حتى أنني تفاجأت من ردي
- والله حقنا نشوف كوكب يناسبنا!
- والله فكرة مليحة!.. تفتكر أي كوكب؟
- عند القمرة.
- ها ها ها ..
فبادلني ضحكا بضحك، ثم راودني إحساس، بعد ما لاحظت أنه يحرك يديه كأنما يتحدث مع شخص لا أراه، فبادرته متسائلة في استغراب؛ هاشم! عم بتكلم نفسك؟، أحسست أنه بوغت بملاحظتي، لكنه سرعان ما ابتسم ودون أن يلتفت نحوي أجاب بصوت من يُقر بذنب عظيم؛ (بارفان ساحر)، فنظرت نحوه في استغراب وأجبته بنفس وتيرة المرح مع شيء من سخرية مصطنعة وأنا أنظر إلى الفستان؛ (طمنتني! .. فكرت شي تاني.. بنصحك ما تكتفي بلبس العوينات وقت القراية وبس، إلبسهن دايماً!)، نظر إلى بجانب وجهه وقال ساخرًا؛ "حقي الأول أغير قياس العدسات!"، فضحكت وضحك هو أيضًا.
أخذنا مجلسنا بالقاعة المكتظة، تبادلنا التحية والقبلات الطائرة مع زملائنا المتناثرين في أرجاء القاعة عن بعد، كان الحضور صاخبًا يعمه مرح وسرور، حتى ظهر الدكتور ستيوارت على المسرح فضجت القاعة بالتصفيق ثم غشاها صمت عميق، رد الرجل التحية مع إيماءة صغيرة بجذعه، ثم ألقى مقدمة قصيرة وبسلاسة انتقل إلى صلب موضوع المحاضرة.
قال في مستهل حديثه جملة لم أنسها منذ ذلك المساء: "التغيير الحقيقي لا يُعلن عن نفسه بصوت عالٍ، بل يتسلل إلينا في هيئة قرار صغير نتخذه دون أن ندرك حجم أثره." ضحك الحضور من الطريقة الدرامية التي ألقى بها الجملة، وضحكت معهم، لكنني - ودون أن أدري لماذا - شعرت أن الجملة قيلت لي وحدي.
تحرك في كل زوايا المسرح، من اليسار لليمين والعكس، وللأمام وللخلف بخفة من تعامل مع المسرح من قبل، لذا لم أندهش عندما سمعت السيدة الجالسة إلى جواري وهي تهمس في أذن جارتها بأن أداءه الحركي يوحي بأنه قد أدى بروفات تحضيرية على مدى اليومين السابقين.
احترمت في ستيوارت أنه لم يعتمد على تاريخه المهني الكبير، ولا على حضوره الطاغي، تعامل مع المحاضرة كتلميذ مجتهد، كما حرص على أن تكون لغة جسده بنفس مستوى لغة عقله، حتى التعليقات الضاحكة التي كانت تُلقى وكأنها عفو خاطر أو سرعة بديهة، كنت أعرف بحكم عملي أنها مُعدة مسبقًا ومرتبة بتفاصيلها من كلمات وحركات صغيرة وكبيرة.
كنت سعيدة ومندمجة ولم أشعر بالوقت، أتبادل مع هاشم التعليقات والتعقيبات بصوت هامس، أميل عليه فأشم فيه رائحة الرجل الشرقي بحضوره وكبريائه، ملت عليه عدة مرات، تعمدت في كل منها أن أقترب أكثر فأكثر، وكلما اقتربت شممت رائحة تختلف عن سابقتها، كنا منسجمين، ويبدو من قسمات وجهينا لمن يرانا لأول مرة، أننا حبيبان أو خطيبان.
كنت سعيدة بكل ما حولي، سعيدة بحبي لهاشم، وسعيدة بقربي منه، وسعيدة بأن جمعتنا تلك الأمسية، تغيرت نظرتي لكل ما حولي، صرت أحب كل شيء، وأقل حساسية للتغيرات، ودائمًا ما كنت أتنهد وأقول في نفسي، كل هذا التفاؤل والنظرة الإيجابية وهاشم لم يفصح بعد عن حبه لي، فما بالي حين يقولها، كيف سأكون، كثيرًا ما رسمت لنفسي صورة نورانية شفافة.
ومع كل هذه السعادة، كان قلبي يخبرني أن ثمة حدث كبير سوف يقع ويغير مسار حياتي.
* * *
--------------------------------
بقلم: د. محمد مصطفى الخياط






